وقفت عربة المحروس أما بيت أم فلفل وهي تحمل ثلاثة أطنان من الأسمنت المصنع في شركة أسمنت بورتلاند حلوان سابق أسك حاليا والتي لا تبتعد عن حكر ابو دحروج إلا بمقدر كيلو متر ومن هنا كان الأسمنت طازه ويخرج منه بخار في ذلك المساء البارد.
ـ ياعم فلفل.
قالها المحروس أكثر من ستة مرات دون أن يسمع رد ومن هنا خمن وجود فرح في أحد الأماكن القريبة من منطقته وراح يلعن الشغل واللي شار بيه .
ـ لايامعلم الدنيا ساقعة.
رد الصبي علي ما قرره المعلم المحروس بعد أن فاض به ولم يعد يطيق صبرا علي الوقت الذي يمر والطاسة خربانة من كل الكيوف بعد أن لهف السجائر الأربعة التي أخذها من عمه الكتف حتي يقوم بالعمل مكانه وهو الذي طفح الكوتة منذ آذن الشيخ رحومة قبل الفجر كما أدعي لليلي التي كانت تعرف أنه ملزم بعمل خمس أيام متتالية مرت منهم أربعة ومن أجل ذلك أيقظته بمجرد خروج صوت الشيخ رحومة ابن العرص.
ـ والعمل يابن الكئيبة؟
ـ ننزلهم ونمشي يا معلم.
ـ والإكرامية يابن عطيات؟
ـ تبقي تيجي تاخدها بكرة يا معلم.
ـ محدش قالك إنك ناصح زي المرحوم.بكرة يبقي عليه العوض والست أمك تبقي العواف عليها الأسبوع ده.
ـ يعني إيه يا محروس.
قالها عيسي مخلوف الذي ترك المدرسة بعد وفاة أبيه في معهد الأورام وفتح أمه دكان كي تقدر علي حمل مسئولية ثلاثة من البنات وعمر الأكبر والذي نجا بنفسه وعمل في فرن بلدي وصار يخطط الآن بالزواج رغم أنه لم يبلغ السابعة عشر.
ـ أنا مش قلتلك ميت مرة تقولي يا معلم يابن الكئيبة أنت .
ـ وأنا قلتلك مليون مرة أنا اسمي عيسي ومتعبش في أمي لو سمحت.
ـ وأنا غلطت في سيدة الحكر الأولى قلت إيه؟
ـ يعني إيه أمي تبقي العواف .هي أمي زي أم فلفل يا محروس برضو.
ـ أنت فهمت غلط ياعم عيسي.أنا قصدي يعني مش هندي للست أم عمر جمعية الأسبوع ده.
ـ آه .أنا بحسب.
قالها عيسي وهو ينظر إلى معلمه الذي يحبه ويحب العمل معه نتيجة البانجو المستمر ونتيجة عدم الطمع في إكراميته الخاصة ونتيجة تربية المحروس النظيفة بعيدا عن عادات أهله من العربجية واللذين يضعون القرش فوق القرش ليرتفعوا بالبنيان.أما هو ابن أبيه كما يقولون دائما.المعلم السيد الشحات أبو المحروس فقط والذي مازال بيته دور واحد في حين أن بيت أخيه الذي لديه سبعة عشر ابن وبنت غير ست حمير وحصان جر وحيد يرتفع إلى الدور السادس.
ـ أهوه المعلم فلفل جاه أهوه يا معلم محروس.
وقف المحروس من فوق الأسمنت الذي كان يتدفأ به ونط من العربة وهو يفتح صدره للمعلم فلفل ويقول
ـ وأنا بقول إيه النور ده.
قبله فلفل وسلم علي عيسي وهو يقول
ـ عارف أنت لو ابن الكتف أنا كنت سبتك تأفف من البرد.
ـ عارف يا معلم فلفل طبعا.ديه عشرة عمر يا رجل.
ـ متطلعش فيها قوي يابن القحبة .هو أنا قعدت في المحروق الحكر ييجي خمس سنين علي بعض.
ـ بس برضو أنت عارف أخوك المحروس بيحبك قد إيه.
ـ أنت عاوز تتنا… ولا حاجة يا محروس؟
ـ عيب يا رجل المتن…… علي قفا مين يشيل وأنت سيد العارفين.
قال المحروس وهو يضربه علي كتفه.
ـ أمال مالك كده داخل معاي غرام وانتقام .
ـ ياعم متزعلش خش أقلع وتعالي .
ـ وليه أخش.
ثم مد يده وفتح سوسته البنطلون وكاد أن يسحبه لولا أن يد المحروس أمسكت به وهو يسأله:
ـ أنت هتعمل أيه يابو الفلافل؟
ـ لسه هخش جوه .
ثم رفع يديه وهو يمسك بالمحروس ويضيف
ـ أديّر ياراجل ومتتكسفش.
ثم مد يده وأمسك بذيل جلبابه وأراد أن يرفعه.أمسك المحروس ذيل جلبابه المرتفع وهو يتربس قدميه في الأرض وبدا وجهه مكفهرا وهو يقول له:
ـ جري إيه يا فلفل.
ضحك فلفل وهو يترك ذيل جلباب المحروس وهو يري الذعر علي وجهه ثم مد يده ووضعها علي المحروس الذي ظل يتحرك تحت يده وهو يضمه إليه قائلا:
ـ مش أنت اللي قلت لي خش أقلع يا معلم محروس.
ـ علشان المحروق ده يا فلفل.
وأشار بيده علي العربة الواقفة أمامه والتي يسحبها حصان مازال ينهج رغم وقوفه منذ ما يقرب من النصف ساعة وعيسي الذي كان يضحك علي المشهد الذي شاهده
ـ ما أ نا عارف ياشلح بس حبيت أعمل معاك واجب كان هيبسطك قوي. متزعلش تعالي نسخن بكاس من عند خالتك أم فلفل.
قالها وهو يسحبه وهو يعمل نفسه غاضب منه ويتبعهم عيسي حتي دخلوا إلي حجرة الخزين والتي تّرص بها الصناديق الفارغة والتي تنتظر حضور عربة شركة الأهرام غدا علي أكثر تقدير.
ـ هوريك مخبأ أبو علي جوز المحروسة من العين
ثم نزل بيده علي كتف صديق الذي أنتفض غضبا قبل أن يضيف
ـ أم فلفل .
أمسكه من يديه وراح يعد الصناديق المرصوصة علي هيئة صفوف فوق بعضها ثم سقط علي علي صف وقال لمحروس.
ـ إيدك يا بغل ننزل الصناديق ديه.
ـ إزي أمك يا واد يا عيسي.
ـ بتسلم عليك يا معلم فلفل.
ـ أمك دي ست محترمة ومكافحة خلي بالك منها واسمع كلامها.
ـ حاضر يا معلم.
ـ هو إحنا هنرصهم من جديد ولا إيه يا فلفل؟
قالها محروس وهو يبدأ في إنزال الصف الثاني من الصناديق بعد أن اكتشف فلفل عدم وجود شئ في تلك الرصة وبدأ في العرق رغم الجوي البارد.
ـ اشتغل وأنت ساكت
قال فلفل وهو يعيد النظر علي صفوف البيرة المرصوصة لكي يعيد حساباته وقبل أن يشير بيديه لعيسي علي صف لمح في أحد الصناديق التي ينزلها المحروس قطعة القماش السوداء التي يعلم بها أبو علي زوج أمه مكان خزينه الذي يتفنن في إخفائه بعيدا عن عين فلفل وأمه المتربصين به وقال بسرعة:
ـ بس .عندك يامعلم محروس
ثم مد يده في الصندوق وأخرج منه سبع زجاجات من نوع الصقار سليمة وزجاجتين من قاهر الرجال الأصلي وربع 84 .
ـ إيه الخير ده كله؟
سأل المحروس وهو يري نظرة النصر المرتسمة علي وجه فلفل وهو يرفع كل زجاجة ويريها بفخر للمحروس وعيسي الذي فتح فمه وهو ينظر بود إلى المعلم فلفل الذي قال وهو يمسك بزجاجة أصلية من قاهر الرجال الذي اكتسب سمعة عالمية بالحكر بعد أن استطاع أحد الأشقياء أن يضعه للشيخ رحومة مؤذن جامع التعلب قديما السنة المحمدية حاليا منذ شهرين فخرج يؤذن عاريا كيوم ولدته أمه علي سطح المسجد لصلاة المغرب.
ـ ده الاحتياطي الاستراتيجي لابو علي جوز أم فلفل اللبوة.
ـ طب ما كده هيعرف.
ـ هو هييجي مدرمغ جاهز وهينسي زي العادة.
أمسك بيده ثلاث زجاجات صقار وفتحهم بفمه وأعطي واحدة للمحروس وأخري لعيسي الذي يبلغ من العمر خمسة عشر سنة وهو يقول له:
ـ بيرة ماشي لكن مدعوك قاهر الرجال لا يا معلم عيسي.
ـ ولا يهمك يا فلفل عيسي اتخرج من زمان.
قال المحروس وهو يخبط زجاجته بزجاجة عيسي وهو يبتسم في وجهه مشجعا.
ـ لا بروح خالتك الواد يضيع كده ، خف عليه يا محروس.
ـ وأنا مالي ياخويا هو اللي بقاله خمس سنين شابط في رقبتي.
ـ ده شرف لي يا معلم محروس.
قال عيسي وهو ينهي الزجاجة علي فم واحد كما علمه معلمه ويرميها علي أرض الحجرة بفخر عظيم وهو ينظر للمعلم الذي قال له:
ـ سجد ني يالا ولمعلي الماشة.
ـ لا يا عيسي بالراحة علي نفسك يابني متعملش زيينا أنا والبغل ده وخلي بالك من صحتك واشرب محدش قال حاجة بس يا واش يا واش.
ـ ده بيغب بروح أمه وممشيها طول النهار باكات.
مد فلفل يده ومر بها علي رأس عيسي الذي كان يبدو سعيدا بما وصل إليه ويكاد يتيه فخرا بنفسه ثم قال له بصوت أخوي قل أن يحدث من فلفل.
ـ بالراحة علي نفسك يا عيسي.مفيش حاجة هضيع منك غير حياتك بس.يعني لو عشت هتشرب كل حاجة في ميعادها لكن لو استعجلت تعرف كل حاجة هتعمل زي أنا ومعلمك الجحش ده اللي بيطلع غلبه علي الحصان.
عند ذلك انتفض المحروس كمن لدغته طريشة ورفع يديه في وجه فلفل حتي كاد أن يفقأ عيونه وهو يقول:
ـ إلا كده يا فلفل .أنت عارف قد إيه أنا بني آدم مع البهايم كلها.
ثم مد يديه التي كادت أن تطرف عين فلفل وأمسك بزجاجة جديدة من الصقار بعد أن تجنب قاهر الرجال الذي أصبح لا يثق أنه أصلي مثله مثل غيره منذ أن وزعته أم فلفل في فرحه منذ خمس سنوات، وراح يتكلم بحب مشهور به في أوساط العربجية الذين يقسون دائما علي حميرهم وبغالهم وأحصنتهم مما جعل فلفل يمد يده ويمسك بزجاجة قاهر الرجال ويقربها من فمه ويبتلع جرعة كبيرة ثم يمدها إليه وهو يقول.
ـ من جهة إنك بني آدم مع البهايم، طول عمرك بتحبهم والواحد عمره ما فرق بينك وبنهم.
ـ لا كده بقي تبقي أنت جاي مظبط وهتشتغلني وترجع زي المرة اللي فاتت تصالحني.
قالها ثم رفع زجاجة قاهر الرجال علي فمه وأخذ جرعة صغيرة ليتذوقها قبل أن يعب منها وفلفل ينظر إليه بود ثم مد يديه وأمسك بالزجاجة التي تركها المحروس علي الأرض ووضع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |